فسخ الماضي:
اصفق بالماء على وجهي مرة, وأخرى
وأنا أمحلق في صورتي التي عكستها المرآة
أحاول أن ادثر ما حدث, واخدع نفسي بقولي بأنه لم يحدث شيء بالأمس...!!
ولكنه حدث ما يصعب على المرء نسيانه, بل يصعب على الأيام نفسها تناسيه,
ولا حتى السنين
لعلكم تتساءلون بشغف في خلدكم ما الذي حدث بالأمس؟!
سأريحكم من التخمين, وضرب الأخماس في الأسداس
سأريحكم حتى من الجهر بالسؤال, وأقص عليكم ذكرى الأمس, وبقاياه....,
أنا على وشك الارتباط,
أو بالأحرى كنت كذلك حتى مساء يوم أمس،
يعانق خنصري الأيمن, خاتم ذهب نُقشَ على حوافره اسمه واسمي, يتوسطهما قلبان
لم تمضي إلا أشهر قلائل على عقد القران،
ولم يكن إلا شهران, بإضافة تلك الشهور حتى نقيم حفل, وننتقل لعش الزوجية.
وقد رسمت لأجل هذا آلاف الأحلام
بيتاً صغير, وشجرة فارعة الطول, والأزهار تحيط به
كنت سعيدة لدرجة لا توصف, بينما كان هو لا يحرك ساكنا, لا بكلمة,
ولا حتى إشارة قد تدحض ذاك الهاجس الذي باتَ يرافقني كظلي,
وينغص علي عيشتي,
وهو أن يكون مجبرا, أو أن يكون قد تقدم لخطبتي فقط ليكمل إطار صورته الاجتماعي.
لا أنكر بأن هذا الأمر كان يعذبني, ولكني كنت أحبه بصدق لأجل هذا ضحيت,
وتحملت مرارة أن أكون معه مجرد جسد بلا روح،
مجرد تماثل أمامه !!
إذ إني كنت دائما ما أحادثه, بينما هو قاطب الجبين, يمسك بالجريدة فلا يتكبد عناء حتى بهز رأسه
وغالبا ما أنهي حديثي, بلا حق أخذهُ منه ولا باطل
ولقد حفظت أسطونته المألوفة!!
" أفعلي ما تجديه مناسباً...
يقولها...., ويعود يقلّب في أوراقه المكدسة فوق مكتبه,
عندها لا أجد ما أفعله غير أن اتركه, وأوراقه, وأعود لمنزلي منكسرة.
تقابلني أمي, تسألني عن المستجدات
" كل شيء يسير على ما يرام, سيكون حفل زفافنا تماما كما أردت....,
يتهلل وجهي أمي, تربت على كتفي, وهي تدعو لي بالسعادة
أصطنع الابتسامة, وأشد على يدها بينما أنا أتقطع في داخلي, أريد من أفضفض له
آه أصرخ بها في داخلي.
وأمضي موليةٍ غرفتي, أوصد الباب ورائي, وأهوي على الأرض باكية افرغ ما كتمته
هكذا حتى يمسح الله على قلبي بالصبر، أغسل وجهي بالماء, وأغادر غرفتي أخذ الرضا من أمي,
وأخرج إليه بأمل أن يكون قد تغير ولو قليلاً،
صعدت السلالم, وأنا أرنو إليه مشتاقة أحرك بالشال تارة هنا, وتارة هناك حتى جمدت مكاني لهول ما رأيت
يده بيدها, وبيدها الأخرى العلبة نفسها للقيثارة التي قدمتها له بمناسبة عيد ميلاده.
لم أتمالك نفسي فهويت للأرض وأنا وألطم خدودي
استدارا ناحيتي فهبت هي مسرعة لشقتها, فتقدم هو يحاول شرح الموقف ببعض الأكاذيب,
ولكنه لم يفلح فقد فضحته عيناه, وكذلك كيف راح يتلعثم عند كل كلمة.
وضعت بيدي على شفتيه "إن أسكت
انتزعت الخاتم من إصبعي ووضعته في باطن كفه, وابتسمت,
ونزلت السلالم دون أن ألتفت إليه بينما هو ظلَّ يصرخ باسمي مرات ومرات.
عدت للمنزل, وقد أجتمع أمي, وأخواتي في حلقة دائرية, يتناقشن ترتيبات الزفاف
وقد استقبلتني أمي وهي تقول: ها قد وصلت العروس...
دنوت منهن أزف الخبر "لقد أُلغي الزفاف...!!
اتسعت أحداقهن, وهن ينظرن إلي, وقد راحت ملامحهن تأخذ كل شكل
لم أنتظرهن حتى يستوعبن الأمر..., إذ اتجهت غرفتي, وتركتهن وعتابهن
وقد تناولت حبتان منوم, ودسست من تحت الباب ملاحظة "بعدم إزعاجي...
وهكذا طرحت بنفسي على الفراش, ونمت كخشبة مسندة,
ولم أفق إلا عندما قاربت عقارب الساعة عند الخامسة صباحاً
سحبت منشفتي, أدرت صنبور الماء, فراحت مجريات الأمس تجوب في ذاكرتي,
فرحت أغسل وجهي,وأنظر للمرآة بعد كل غسلة
وكأنني كنت أحاول أن أخبر نفسي بأن ما حدث الأمس ليس حلم,
وليته كان...,
ليس قبل الأمس فقط, بل حتى قبل أن يطرق بابنا ذاك الخاطب.
حررت بتاريخ:24/01/1428هـــــ, 4/11/2007